الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
79
شرح ديوان ابن الفارض
محبّا مضطرا فيما هو مشتمل عليه من الوداد الذي لا قدرة له على دفعه ولا إزالته وما أحسن قوله : دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى * فإذا عشقت فبعد ذلك عنف ( ن ) : كنى باللائم عن الغافل المحجوب . وقوله في حبهم ، أي حب المظاهر الإلهية والمجالي الربانية المكشوفة للعاشق في الصور الإنسانية . اه . وحرمة الوصل والودّ العتيق وبال عهد الوثيق وما قد كان في القدم ما حلت عنهم بسلوان ولا بدل ليس التّبدّل والسلوان من شيمي [ الاعراب والمعنى ] ما ألطف هذين البيتين لعمري أنهما سرور للفؤاد وقرّة للعين أقسم بما لوصل الأحبة من الحرمة وبالود العتيق الذي لا يستطيع المرء كتمه وبالعهد الوثيق المحكم عقده الصادق عهده وما كان له في القدم من الإجابة بالإقرار عند النداء من الملك الجبار وأجاب قسمه بقوله « ما حلت عنهم » أي عن الأحبة ولما كان طريق ترك الأحبة محصورا في أمرين أحدهما السلوان وثانيهما التبدل عن الحبيب بحبيب آخر فلذلك نفى عنه تغييره عن الأحبة بالطريقين المذكورين وأكد ذلك بقوله ليس التبدل والسلوان من شيمي أي ليس ذلك من عوائدي ولا في طبيعتي وتكلف الإنسان ما ليس في طبيعته في غاية الصعوبة وقد قلت في المعنى من قصيدة : تخيل لي نفسي على البعد سلوة * وذلك في التحقيق سلوان سلوانيّ وكيف سلوى عن هواك بغيره * وما شمت إنسانا سواك بإنساني وقلت : فلا يتّهمني من جفاني بسلوة * وحق الوفا ليس الجفا من عوائدي ( ن ) : الوصل هو رجوع السالك بالفناء إلى حضرة العلم القديم والإرادة والكلام الأزليين وقوله . والود العتيق ، أي القديم وهو المحبة الأصلية الإلهية محبة الكائنات المشار إليه بقوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : الآية 54 ] . وقوله وبالعهد الوثيق ، أي المحكم وهو عهد الرب تعالى الذي أخذه على الأرواح في عالم الذر المشار إليه بقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : الآية 172 ] ، وقوله وما قد كان في القدم ، أي وجد وثبت من علمه تعالى بنفسه الذي هو علمه بكل ما سواه منذ الأزل . اه . ردّوا الرّقاد لجفني علّ طيفكم بمضجعي زائر في غفلة الحلم